ابن بسام

36

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

إيجاز الخبر عن أسر غرسيّة الذي ذكر [ 1 ] قال ابن حيّان : لما قفل ابن أبي عامر سنة أربع وثمانين عن بلد غرسية صاحب قشتيلة ، حشر عدوّ اللّه جموعه لغزو بلاد الإسلام ، فاغتمّ المنصور لذلك . فبينما هو يحاول بعض الأمر هنالك إذ ورد عليه كتاب قند الوزير [ 2 ] صاحب مدينة سالم يذكر أنّه أسرى في نخبة أهل ثغره إلى بلد غرسية فقتل وغنم ، ثم انكمش فتبعه غرسية في قطعة حسنة من نخبة حماته ، فثبّت اللّه أقدام الإسلام ، وأجلت الحرب على أسر غرسية جريحا ، وسيق إلى مدينة سالم ، وأقام بيد قند يعالجه من جرحه فهلك في يده ، وحزّ رأسه وجعله في تابوت ، وأنفذه إلى حضرة قرطبة ، واختزن جسده إلى أن دفع مع رأسه إلى ولده شانجه عند عقد السّلم بعد مدة . مقتل أبي مروان الجزيري [ 3 ] وكان أبو مروان عبد الملك الجزيري أحد شعراء الأندلس المجيدين وقته وممن اجتمع له بهذا الإقليم نوعا البلاغة في المنثور والمنظوم . وتقدّم عصره منعني من ذكره ؛ وفي خبر مقتله طول ، لكن نلمع منه بلمعة ، بعد أن نقدّم من نوعي كلامه قطعة . فمن ذلك أنّ المنصور ابن أبي عامر صنع صنيعا في ذلك الأوان ، لتطهير ابنه عبد الرحمن ، وكان عام قحط فارتفع السعر بقرطبة ، وبلغ ربع الدّقيق إلى دينارين ، فجلا الناس . فلما كان يوم ذلك الصنيع ، نشأت في السماء سحابة عمّت الأفق ، ثم أتى المطر الوابل فاستبشر الناس وسرّ ابن أبي عامر ، فقال الجزيري بديهة [ 4 ] : أمّا الغمام فشاهد لك أنّه * لا شكّ صنوك بل أخوك الأوثق وافى الصنيع فحين تمّ تمامه * في النحو أنشأ ودقه يتدفّق [ 41 ]

--> [ 1 ] قارن بما أورده ليفي بروفنسال : تاريخ إسپانيا الإسلامية 2 : 244 . [ 2 ] ذكره الفقيه أبو محمد بن حزم في طوق الحمامة وقال : إنه كان صاحب الثغر الأعلى أيام المنصور بن أبي عامر وكانت ابنته عاتكة على غاية من الجمال ، وقد تزوجها أبو بكر أخو الفقيه . [ 3 ] لعبد الملك بن إدريس الجزيري ترجمة في الجذوة : 261 ( البغية رقم : 1058 ) ، والمطمح : 13 ، والصلة : 350 ، وإعتاب الكتاب : 193 ، والمغرب 1 : 321 ، والنفح 2 : 119 وله أشعار في اليتيمة 2 : 102 وقطعة في تشبيهات ابن الكتاني رقم 156 ، ومقطعات في البديع ( انظر الفهرست ) ، وانظر الذخيرة 1 : 103 . [ 4 ] نفح الطيب 1 : 530 .